محمد تقي النقوي القايني الخراساني
38
مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة
وكماله كما قال علي ( ع ) من رءانى فقد رأى الحقّ ، وهذا لا يمكن الَّا بالعزلة عن النّاس والأنس به تعالى وقطع العلاقة عن الماديّات والزخارف - الدنيوية وتوجّه الكامل اليه بحيث لا يرى أحدا معه بل لا يرى موجودا حقيقا الَّا هو ولذلك ترى الأولياء في زمن الأنبياء السالفة انفردوا عن الخلق في قلل الجبال توحّشا منهم وطلبا للانس بالخالق واعرضوا عن جميع ما سواه كما أشار اليه في القرآن ومدحهم به حيث قال * ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ : عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ) * الآية . فانّ الرهبانيّة في الاعصار الماضية والاديان السالفة كانت ممدوحة لانّها أحسن طريق من الطَّرق الموصلة إلى مقام قربه تعالى في ذلك الزمان كما انّ عيسى ( ع ) أيضا كان تاركا للدّنيا بالمرّة ولم يكن له تعلَّق بها وكان بمنعزل عن الخلق وكذا موسى وسائر الأنبياء وهذا ظاهر ، الا انّ الكمال الحقيقي للانسان لا يحصل الَّا بعد الجمع بين المرتبتين مرتبة الواقع ومرتبة الظاهر وبعبارة أخرى مقام تكميل الرّوح ومقام تكميل البدن وتوضيح ذلك انّ الانسان معجون مركَّب من الرّوح المجرد الملكوتي والجسد المادّى الملكي وكلّ واحد منهما يقتضى شيئا غير ما يقتضيه الاخر فانّ قانون السنخيّة يحكم بانّ الرّوح يستدعى ما هو من سنخه من الكمالات والصفات الحسنة والادراكات العقليّة ومعاشرة الأبرار وغيرها والبدن يستدعى أيضا ما هو من سنخه كالأكل والشّرب من المأكولات والمشروبات المادّية